المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الخطاط الياباني HONDA .cv _R



صالح العبادي
2009-05-24, 02:16 AM
بقلم/ توموكو أوتاكي

كتابة سطر جميل هو ما تعنيه الحياة بالنسبة لكويتشي هوندا, و الإتقان في كل جزئية – من الإنحناءات الدقيقة إلى التفاوت في السمك و كثافة الحبر – يهمه كما يهمه أمر الحياة نفسها.

هوندا أستاذ العلاقات الدولية في جامعة دايتوبونكا في مقاطعة سايتاما, البالغ من العمر 61 عاماً, هو أرفع مرجع ٍ في اليابان فيما يتعلق بفن الخط العربي.تطور الخط العربي عبر أربعة عشر قرناً كشكل ٍ من أشكال الفنون الدينية بقواعد مفصلة تنظم كل جزئية من عملية الكتابة سواء كانت رسماً على ورق أو نحتاً على الجلد أو حتى حفرا ً بالنار على بلاطات السيراميك البديعة التي لن تخفق في إبهار زوار المساجد.

إلا أن هوندا ليس تحفة ً مقدرة في اليابان و حسب, فهو معروف حول العالم كأحد أفضل فناني الخط العربي المعاصرين. منحت بعض أعماله العام الماضي شرف ضمها للمجموعة الدائمة للمتحف البريطاني في لندن بما فيها " وجه الله " و هي سلسلة من الآيات القرآنية كتبت على خلفيات ٍ زرقاء و حمراء و صفراء هرمية الشكل.

بدأت رحلة هوندا الفريدة من نوعها عندما تخرج من قسم اللغة العربية في جامعة طوكيو للدراسات الأجنبية. لم يكن قد اختار العربية لسبب ٍ محدد, حسب قوله, غير أنه كان مهتماً باللغات الأجنبية و كان قد استمتع بتعلم الانجليزية في الثانوية إلا أن الإلتحاق بقسم اللغة العربية كان أسهل.

أثناء الجامعة كان الطلاب قد انجرفوا مع الحركات الطلابية التي اجتاحت البلاد أيام الستينات. انشغل زملائه باعتراض بوابات المدارس و ارتداء الخوذ و الهتاف بالشعارات الحماسية و مصادمة رجال الشرطة, لكنه كان أثناءها مفتوناً بأعمال المؤلف كينجي ميازاوا (1896 – 1933 ) و حلم أن يصبح هو أيضاً مؤلف قصص خيالية مثله.

و هكذا قضى هوندا أربعة أعوام بعد دراسته الجامعية معتكفاً في شقته الصغيرة في مقاطعة كانغاوا و هو يحاول أن ينتج تحفة أدبية دون أن يفلح, يقول هوندا عن تلك الفترة: " كنت أجلس إلى مكتبي لأيام دون أن آتي بشيء لأنه لم يكن بداخلي أي شيء. "

كان لا يزال يتوق لأن يجد المغزى من الحياة عندما وجد عملاً في شركة مِسَاحة تتخذ من طوكيو مقراً لها, و كانت قد أجرت عقوداً مع عدد من الحكومات في الشرق الأوسط لرسم خرائط لها. سرعان ما وجد هوندا نفسه و قد أرسل كمترجم للشركة في السعودية وليبيا و اليمن, خاصة ً أنه كان أحد القلائل في الشركة, أو بالأحرى في كامل اليابان, الذين يجيدون العربية.

يقول هوندا أنها كانت تجربة غيرت حياته.

تضمنت مهمة هوندا في الشرق الأوسط و التي استغرقت خمسة أعوام التخييم في الصحراء بالأشهر و قيادة المجموعات بعيداً عن أي طرق مستخدمة لتسجيل مظاهر السطح و الأسماء التي أطلقها البدو الرحل على التلال و الأنهار و الجبال.

كان هوندا يستمتع بالتجربة من أعماق قلبه بينما وجد زملائه اليابانيين, و القليلين حيث بالكاد كان هناك من يتحدث العربية, وجدوا أنه من الصعب عليهم التأقلم مع الحياة على قارعة الطريق. لقد أحب هوندا القرب من الطبيعة و السفر إلى أماكن ينفر منها حتى المواطنين من أهل البلد, حتى أنه مع الوقت بدأ جسده و مهما يكن الجو يشعر بالاتجاهات دون بوصلة.

و في تلك الأثناء أيضاً كان هوندا قد اكتشف فن الخط العربي الذي تستخدم فيه الأقلام المصنوعة من القصب و الخيزران بدلاً من الفراشي التي تستخدم في الخط الصيني و الياباني. حدث تعرف هوندا على الشكل العربي للخط ذات يوم حين كان في زيارة عمل لقسم المساحة الجوية في الحكومة السعودية و رأى الخطاط الرسمي على رأس عمله. يقول هوندا أنه كان من الدارج آنذاك أن تستعين الحكومة السعودية بخط اليد لكتابة المستندات الرسمية بما فيها الخرائط و يشير لإن فن الخط كان يتطور بينما كان الناس يحاولون نسخ القرآن الكريم بدقة ٍ و جمال.

ما أبهره بشكل ٍ خاص في قسم المساحة الجوية كانت الطريقة التي يكتب بها الخطاطون أسماء بعض مظاهر السطح كالأودية بحيث تنساب خطوط الأحرف العربية بموازاة تلك المظاهر الحيوية حيث يمكن العثور على المياه تحت الأرض.

سرعان ما علم هوندا أن الخط العربي, على خلاف التقاليد اليابانية و الصينية, يتعلق بتصميم أشكال ٍ يكون بينها غالباً الدائري و البيضاوي. هذا لأن قواعد الكتابة بالأبجدية العربية أكثر مرونة و تسمح بتمديد أو تقليص أطوال العديد من الخطوط بحرية لخلق تلك الأشكال الهندسية.

يتذكر هوندا قائلاً : " لقد وقعت في حب تلك الإنحناءات ", و يعترف أنه حتى تلك اللحظة لم يكن مهتماً بأي شكل ٍ من أشكال فن الخط بما فيها الخط الياباني. و من فوره سأل أحد الخطاطين ان يعلمه الأساسيات و بعد ذلك كان يتمرن بمفرده في خيمته بعد العمل.

تابع هوندا دراسته للفن لوحده بعد عودته لليابان. كانت الكتب التي أحضرها معه من السعودية هي معلميه و صنع لنفسه من عصي الطعام الخشبية أقلاماً. و في تلك الفترة أيضاً بعد أربع أو خمس سنوات من عودته لليابان أصبح هوندا مسلماً و تسمى باسم إسلامي : ( فؤاد ) و الذي يعني القلب بالعربية. هوندا يقول أنه لم يمر بلحظة تجلي أو أي شيء من هذا القبيل, لكنه أصبح مسلماً لأنه أراد أن يدرس كلام القرآن الذي لا يمسه غير المؤمنين.

سرعان ما أصبحت مهارات هوندا التي أكتسبها ذاتياً معروفة على نطاق واسع واسع لأنه لم يكن هناك مدربٌ في الخط العربي غيره في اليابان. أغرقته السفارات الأجنبية في طوكيو و الشركات اليابانية التي لها أعمال في بلدان تتحدث العربية بطلبات ٍ لكتابة كل شيء من رايات المجموعات إلى شعارات الشركة و نسخ الإعلانات.

لكن هذه الطلبات بدأت بالتراجع مع وصول معالج الوورد العربي و الحواسيب الشخصية أواخر الثمانينات – و التي كان هوندا مسؤولاً جزئياً عنها لأنه ساعد في تطوير العديد من خطوط الحاسب التي تناسب اللغة العربية.

في الأيام الأخيرة من الحرب العراقية الإيرانية عام 1988م, دعته الحكومة العراقية للمشاركة في مهرجان كبير للخط العربي في بغداد حيث يجتمع مئات من كبار محترفي الخط العربي ليعرضوا أفضل أعمالهم. هناك تعرف هوندا على حسن شلبي كبير خطاطي تركيا و طلب منه أن يعطيه دروساً خاصة. قبل شلبي طلبه ليحصل أخيراً على إجازة لتعليم الخط العربي عام 2000م.

الآن و قد أصبح معلم خط بجدارة, اكتسب هوندا لنفسه مكانة ً لائقة باستخدامه الفريد للألوان. يقول هوندا أن تراثه الياباني يساعده على كسر المعتاد و في الوقت نفسه يلزمه بالقواعد التقليدية للخط العربي التي تملي تفاصيل ككيفية وضع علامات الترقيم. فهو مثلاً يحب استخدام التدريج الدقيق للألوان في خلفياته خلافاً لغيره من الفنانين الذين يباينون لوناً زاهياً على آخر.

يقول هوندا: " بالنسبة لي, أجد للأزرق أكثر من عشرين تنوعاً مختلفاً.. ألواني تعكس احساسي كياباني.. "

يقول الرجل الطويل النحيل أنه رغم مضي ثلاثين عاماً على زيارته الأولى للسعودية فإن أيام حياته في الصحراء لا زالت تلهمه, يعيش هوندا الآن قرب البحر في مدينة زوشي في مقاطعة كاناجاوا غرب طوكيو مع زوجته و ابنتهما الراشدة.

هوندا يصر على أن المرء ليس عليه أن يكون مسلماً أو خبيراً بالعربية ليتمتع بهذا الفن, و الحقيقة أن عدداً من دائرة طلابه التي لا تزال تتسع ليسوا مسلمين و بعضهم لا يعرفون العربية حتى. لكن هوندا يقول أنه من ضمن طلابه بضع و عشرين من المعهد الإسلامي العربي في طوكيو التابع للسفارة السعودية و يقول بارتياح ٍ بالغ أنهم يحسنون صنعاً.

في الدورة الأخيرة من منافسة فن الخط العربي رفيعة المستوى و التي ينظمها مركز بحوث التاريخ و الفن و الثقافة الإسلامية ( إيريسيكا ) كل ثلاث سنوات, في هذه الدورة مُنِحَ أربعة يابانيين منهم ثلاثة طلابٍ لهوندا جوائز. يقول كويتشي ياماواكا, الأمين العام لجمعية اليابان للخط العربي التي أسسها مع هوندا عام 2006, يقول أن ذلك عددٌ قياسي : " إنه نموٌ تاريخي و لا بد أن الناس هناك تتسائل مالذي يجري في اليابان. "

لكن هوندا ليس متفاجئاً بنجاح طلابه, و يقول: " للشعب الياباني خلفية في فن الخط عبر تجربتهم في تعلم الشودو ( فن الخط الياباني ). حتى لو لم تكن تفهم اللغة العربية لا زال بامكانك تقدير الجمال في شكلها المكتوب. "

" هناك أبعادٌ مختلفة من الجمال في الأحرف بالنسبة لي. الحرف العربي من الأبجدية العربية جميل في ذاته, لكن عندما يصبح جزءاً من جملة, يظهر بعدٌ آخر من الجمال. و عندها تبدأ الأحرف بالحركة و كأنها كائنات حية. "

يقول هوندا و هو يبتسم بهدوء: " إنها أشبه ما تكون بموسيقى لا صوت لها بالنسبة لي "

احمد العمري
2009-05-24, 10:51 PM
جزاك الله خيرا اخي العزيز

رياض العبد الله
2009-05-30, 04:47 PM
مشكور اخ صالح

محمد مجدى
2009-06-15, 11:29 PM
جزاك الله خيرا اخويا صالح العبادى

Soly-n
2009-06-16, 12:44 AM
جـزاكـ اللـه خـيـر


..

تحياتي

المجهر
2009-08-03, 10:39 PM
مشكوووووور والله يعطيك الف عافيه